2015-10-10 

دواعش ومصائد

عبد الله السناوي

أية دولة تحترم حياة مواطنيها المختطوفين وهيبتها فى محيطها لا تملك تحت أية ذريعة استبعاد أى خيار فى إدارة الأزمة أو أن تتردد حيث يجب أن تحسم. الأزمة وجودية قبل أن تكون إنسانية فسيف قطع الرءوس الذى يتهدد حياة واحد وعشرين مواطنا مصريا اختطفتهم "داعش" فى ليبيا يضرب بقسوة فى الأمن القومى وهيبة البلد فى محيطه وفى احتمالات تعافى اقتصاده على أى مدى منظور. الصورة التى نشرتها "داعش" للمختطفين راكعين بلباس الإعدام البرتقالى وإرهابيوها خلفهم بزى أسود ووجوه ملثمة تلخص المأساة الإنسانية لمواطنين دفعهم الفقر المدقع إلى مواطن الخطر بحثا عن الحد الأدنى من الحياة الآدمية لكنها تنطوى فى الوقت نفسه على تحد خطير للأمن القومى عند حدوده الغربية. لم تكن هذه عملية الاختطاف الأولى ولن تكون الأخيرة واستهداف المواطنين المسيحيين بصورة متكررة أقرب إلى لوحة تنشين على التماسك الوطنى الداخلى لخلخلة مكوناته وبث الترويع فى جنباته وإثبات أن الدولة عاجزة عن أية حماية أو أى رد. هذا تحد مفتوح يتصل مباشرة بالحرب الضارية فى سيناء وتوجه معلن لتشتيت طاقة الجيش المصرى وإرباك أولوياته. أى حديث عن قرب حسم هذه الحرب يفارق الحقائق على الأرض، فالمواجهات شبه يومية واستهداف الضباط والجنود لا يتوقف والعمليات الإرهابية النوعية متوقعة فى أية لحظة رغم الجهود والتضحيات الهائلة التى تبذل. مسرح العمليات فى سيناء جزء من حرب أوسع مع الإرهاب تشمل المنطقة بأسرها، لا هو كل الحرب ولا هو منعزل عن مسارحه الأخرى. بتلخيص رمزى فإن صورة المخطوفين تحاول النيل من الثقة العامة بالقدرة على دحر الإرهاب فى سيناء. عندما تبدت احتمالات التذبيح الجماعى حاولت ما تسمى بـ"إمارة سيناء" المنتسبة إلى ذات التنظيم تنفيذ عملية نوعية جديدة بسيارتين مفخختين تحت حماية قوات على الأرض ضد قسم شرطة "الشيخ زويد". كان الاستهداف سياسيا قبل أن يكون أمنيا، وهذا شأن أية عملية أخرى، فالإرهاب بالتعريف استخدام للعنف والترويع لأهداف سياسية. ورغم الأداء البطولى لقوات التأمين الذى أدى إلى إحباط تفجير قسم "الشيخ زويد" فإنه يصعب التعويل على عدم تكرار مثل هذه العمليات والمواجهة سوف تطول فى سيناء وتطل مرة بعد أخرى من الحدود المنكشفة. أريد أن أقول بصراحة كاملة تقتضيها المسئولية الوطنية أن مستوى الأداء العام أقل من أزمة المختطفين المصريين فى ليبيا. هذه الأزمة لا يصح أن تتواضع إدارتها إلى إجراءات أقرب إلى البيروقراطية من أى شىء آخر، كما لا يليق أن ينظر إليها على أنها شأن يتعلق بالكنيسة المصرية وحدها. هناك كلام عن خلية أزمة دون أن تتوافر لديها أية معلومات موثوقة عن المختطفين وأماكن احتجازهم وما إذا كان قد جرى إعدامهم أم لا، وهذا يستدعى حسابا عسيرا مع الذين تولوا الملف الليبى على مدى أربعة عقود أفقدوا خلالها أجهزة المعلومات كفاءتها وتأثيرها وهيبتها.. وكلام آخر عن معاشات استثنائية لأسر المخطوفين ووعود بعلاجهم فى "التأمين الصحى"، وهذا أداء نمطى يتكرر فى كل حالة مماثلة، ورغم أنه حق طبيعى لأى مواطن اختطف أو لم يختطف أحد من عائلته فإنه ليس صلب القضية ولا حلها. إذا كان فوق طاقة الدولة صون حياة المخطوفين وإعادتهم سالمين إلى ذويهم فإنها لابد أن تكشر عن قوتها ويكون انتقامها مدويا أمام مجتمعها أولا حتى يتماسك ولا ينفرط عقده وأمام محيطها ثانيا حتى تحتفظ بما تبقى لها من هيبة جرفت تقريبا على مدى أربعين سنة من الذين يطلبون بلا حياء العودة إلى الحكم مرة أخرى ووجودهم نفسه دعوة صريحة لتوحش الإرهاب. فى هذه اللحظة الحرجة تبدو مصر أمام مصيدتين. الأولى، أن تستبعد الخيار العسكرى كليا من حساباتها، وهذا لا يليق بدولة تحترم أمنها القومى. فى الاستبعاد ضعف وهو يغرى بالاستهانة بأية أدوار مصرية محتملة فى ملفات المنطقة المشتعلة من سوريا ومحاولات تسوية أزمتها بتوافقات دولية وإقليمية إلى اليمن وانهيارات بنيته السياسية بصورة تنذر بتفكيكه واحترابات أهلية وتمدد لنفوذ "القاعدة" بالقرب من منابع النفط. حقائق المنطقة تضع مصر على خط الحضور السياسى فى حلحلة أزماتها وحصار الإرهاب الذى يضربها بالوقت نفسه، فإذا لم تتقدم لمواجهته خارج حدودها كأنه تشجعه على المجىء إليها والتمركز فوق أرضها وسلخ سيناء عنها. أى دور إقليمى محتمل يستلزم أن تكون هناك هيبة للدولة التى تتطلع إليه. وهذه مسألة حاسمة لا يصح التفريط فيها أو التنازل عنها. بنظرة على الخريطة فانهيارات المشرق العربى نالت بالكامل من دولتين محوريتين سوريا والعراق بينما الاستراتيجية الأمريكية للحرب مع "داعش" وصلت إلى حائط مسدود، ولبنان يترقب مصيره، والأردن يحاول أن يتماسك، وقد كان أداؤه السياسى لأزمة حرق الطيار "معاذ الكساسبة" مقنعا لمواطنيه ومتجاوزا منزلقات تفكك الروح المعنوية فى بنيته المجتمعية، حسم لغة خطابه وتصرف بالجدية اللازمة لإبداء غضبه، ورغم أن الغضب رمزى لكنه كان ضروريا لكى يحترم كل مواطن أردنى نفسه. ما الذى لدى مصر لتقدمه للمشرق العربى وأزماته التى تتمدد إليها بكتل النار ما لم تكن قادرة على احترام كبريائها الوطنى وأن تكشر عن قوتها بلا تردد؟ وما الذى يمكن أن تقدمه للخليج القلق من تصاعد الدور الإيرانى وحقيقة السياسات الأمريكية ومن مخاوف أن تفضى الهيمنة الحوثية على اليمن إلى ضرب استقرار دوله. بالنسبة لمصر فإن أمن الخليج من أمنها، فضلا عن أن أزمة اليمن تهدد مباشرة سلامة أمنها القومى فى البحر الأحمر عند باب المندب. وقد تكون مدعوة لإرسال قواتها البحرية لتأمين مصالحها الاستراتيجية فى البحر الأحمر. هذه قضية أمن قومى حساسة تترادف فى توقيت حرج مع أية تغييرات سلبية جديدة فى جنوب المتوسط عند الشواطئ الليبية. أمام انكشاف استراتيجى غير مسبوق فإن إبداء أى ضعف عواقبه وخيمة. هذه المصيدة الأولى. ومن المفارقات أن النقيض تماما مصيدة ثانية. فالتورط فى العمل العسكرى دون غطاء دولى وإقليمى أو حساب صحيح لحجم التدخل وشروطه ونوع الضربات الممكنة وحدودها تكاليفه باهظة فى كل حساب وتقدير. لا الأوضاع الداخلية تحتمل حربا طويلة خارج الحدود ولا الأمن القومى يتحمل استنفاد طاقة الجيش وهو فى حرب مرهقة بسيناء. هناك فارق جوهرى بين التدخل والتورط، فالأول عمل سياسى بالقوة يدرك أين يبدأ ومتى ينتهى ويعرف وسائله المناسبة لتوصيل رسائله وهو بشروطه يكتسب ضرورته.. والثانى دخول بالسلاح فى المستنقع بلا أفق للخروج منه وهو بمخاطره مغامرة مكلفة لا لزوم لها. ما بين المصيدتين تحتاج مصر إلى شىء من القوة فى الخطاب العام، والقوة غير العويل، وشىء آخر من التحسب لمواضع الأقدام، والتحسب غير التردد. *نقلا عن "الشروق" المصرية

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه