2015-10-10 

شراكة السُّنة ليست منَّة

رشيد الخيون

تبتُ في «الشرق الأوسط» (19/4/ 2006) تحت عنوان «الشيعة.. الولاء لمَن؟»، مقالا ختمته بالآتي: «هل مطلوب من شيعة العراق أن يعلنوا ولاءهم لبلادهم مع فروض الصلاة، ومن على المآذن؟ وإلى متى ستبقى فتاوى التعجيم تلاحقهم! أجد أن السرور دخل ولاية الفقيه الإيرانية، التي ما زال الغالب من التشيع السياسي العراقي يمتنع عليها». كان المقال رداً على تصريح للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، على أن جميع الشيعة ولاؤهم لإيران. إن المهم مِن التذكير بتلك المقالة في ما يتعلق بالشيخ «همام حمودي»، فقد وردتني رسالة منه حينها، يُثني فيها على المقال ويشكر كاتبه لموضوعيته، وهو تأكيد على هذه الفقرة التي ذكرتها ولم تمنع مثل الشيخ حمودي، القيادي في «المجلس الأعلى»، ورئيس لجنة كتابة الدستور العراقي حينها، من الثناء، مع ما تضمنته في ما يتعلق بالولي الفقيه الإيراني، وكانت حجة لي أخرى على أن ولاء الشيعة كمذهب ليس لإيران، أما ما بين «المجلس الأعلى» وإيران فِمن متعلقات السياسة. من هنا أنطلق في مقالتي، بحجم ما يتقبل الشيخ همام الموضوعية. فقد صرح قبل أيام لإحدى الفضائيات بأن الشيعة أغلبية سياسية في البرلمان، ولولا تنازلهم الطوعي لما احتاجوا لشريك من السنة، وأن الشيعة وصلوا إلى أقصى ما يمكن التنازل عنه في قبول مطالب السنة، وليس لديهم ما يتنازلون عنه أكثر من ذلك! أقولها حقيقة لا مجازاً، لو قالها غير الشيخ همام، الذي التقيتُ به على هامش ندوة قبل نحو تسعة أعوام، وسمعت منه الحرص على وقف حمام الدم الذي نزف بشدة بين عامي 2006 و2007، وما سمعتُ له من مقابلات تلفزيونية فيها العراق أولا، فلو كان من أهل العمائم التي تخبئ تحتها نزوة الطائفية ما عقّبت على ما صرح به مؤخراً. فهو يقول وأراه على حق في أن الحوار هو الحل لا الاتهام: «عشر سنوات انشغلت بالاتهامات، يقولون علينا أتينا من إيران ونحن نقول لهم أتيتم من السعودية، صفويون وعثمانيون، ولم نتحاور». يقول أيضاً: «الشيعة (الأحزاب والمنظمات) يتحملون المسؤولية الأولى، لأنهم أكثرية في البرلمان، وعليهم مسؤولية تاريخية في إنجاح هذه التجربة». وقال بما هو في نفسي عن المصالحة: «حوار وطني، وليس أعطيك فلوس واسكت» (مقابلات مع قناة آسيا). وبالفعل ضاع عقد من الزمن ونشأت مؤسسات ومدراء في أكذوبة المصالحة. صار المجرم بريئاً والبريء مجرماً بقدر خنوعه لا أكثر. لكن من المفاجئ أن يخرج الشيخ همام، وهو الأكثر قرباً إلى مسألة الحوار وجمع شظايا هذا الوطن الخراب، ليعتبر بما معناه أن الشراكة مع السنّة منّْة لا أكثر، وأن السّنة كانوا منعمين! أسأل سؤالا، وكان الشيخ قد أجاب عليه في بعض أحاديثه: الآن السلطة التنفيذية وغالبية التشريعية بيد حزبيين شيعة، فهل مناطق الشيعة تعيش بنعيم! السبب أن الطائفة لا تحكم، بل إن الحاكمين هم فلان وفلان، فكيف كان السنة يعيشون النعيم، وإن أول قتيل من الإسلاميين كان سنياً، وأن للجماعات السنَّية قتلاهم الكثيرين اغتيالا وإعداماً. كنا نرى مناطقَ كالأنبار وتوابعها ليس فيها ما هو أكثر من مناطق الجنوب أو الوسط، إلا ضواحي أهل السلطة. فالقصد أن الإيذاء كان موجهاً بحساب المعارضة وليس بحساب الطَّائفة، ومعلوم أن السلطة الغاشمة تأخذ البريء بجريرة المتهم. يعلم الشيخ همّام، أكثر منَّا، بحجم الفساد من قِبل المتنفذين، وبالاستحواذ الشره على عقارات الدولة وتقسيم بغداد إلى مقاطعات لهذا الحزب أو تلك الجماعة، ويعلم بما خلفه اجتثاث «البعث» من آلام مريرة على الطائفة الأخرى، وبحجم المليشيات التي لها حرية التحرك واستعراض سلاحها، بدعم من السلطة نفسها، ويعلم كيف تجلب الأصوات في الانتخابات عبر الشحن الطائفي والشراء بالمال، فكم من نائب لم يحصل على استحقاق انتخابي صار عضواً ورئيس لجنة، وكم من مزور وراشٍ في الانتخابات صار له القدح المعلى؟ كل هذا ألا يجعل طريقة الحكم مفتوحة على الأزمات؟ يا ساسة العراق، بلا استثناء، تتحدثون عن الديمقراطية والنعيم القادم إلى الشعب، وتنبذون الطائفية، وتكرهون المحاصصة، وتقبِّحون الفساد، وتتبرؤون من التدخل الأجنبي، لكن كل هذا يحدث. أرجو ألا يضايقكم أنس بن أبي ياس (ت 60هـ) ببيته: «يقولون أقوالاً ولا يعرفونها/ ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا» (ربيع الأبرار). * نقلا عن جريدة "الإتحاد" الإماراتية

التعليقات
أضف تعليقك
الأكثر قراءة
مواضيع مشابهه